اسماعيل بن محمد القونوي

172

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وضلالة تنفعه النصائح والمواعظ بالنسبة إلى بعض أشخاصه بخلاف الجهل المركب في ذلك كله وهذا مراد المصنف وإن كان في عبارته نوع تسامح فإن ظاهرها يوهم أن كلهم قد يعذر الخ . وأما المتوقف عن التصديق المذكور من غير اعتراف بجهله فحكمه حكم الجاهل بجهله الجازم وأما الظان بخلاف الواقع فداخل في الجهل المركب فاستوفى أحكام الأقسام الأربعة الأول ما ذكره المصنف بالأتمية والثاني الظان بخلاف الواقع والثالث المتوقف عن التصديق من غير اعتراف بجهله والرابع ما ذكره المصنف والمراد بالآيات الآيات العقلية أفاقية أو أنفسية والآيات النقلية والنذر جمع نذير بمعنى الإنذار . قوله : ( وإنما فصلت الآية ) فصلت مجهول من التفعيل أي أتي بفاصلة ( بلا يعلمون ) والفاصلة في النثر بمنزلة القافية في النظم وجوز التخفيف من الثلاثي والمعنى وفصلت الآية أي ضمت الآية بلا يعلمون لأنه أكثر طباقا وهو في الاصطلاح البديعي الجمع بين قوله : وإنما فصلت الآية بلا يعلمون التفصيل هنا من الفاصلة كالتقفية من القافية أي وإنما جعل فاصلة هذه الآية لا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 13 ] وفاصلة الآية التي قبلها لا يَشْعُرُونَ [ البقرة : 12 ] لأن العلم أكثر طباقا للسفه والطباق المطابقة وهي الجمع بين الضدين وإنما قال الأكثر لأن في لا يَشْعُرُونَ [ البقرة : 13 ] مطابقة للسفه أيضا لكن تلك المطابقة أقل من طباق العلم ولأن التمييز بين الحق والباطل في أمر الدين يحتاج إلى إمعان نظر وتأمل يتوصل بهما إلى ذلك التمييز المسمى بالعلم ولما اخلوا ما به يتوسل إلى العلم والتمييز ناسب أن ينفى عنهم العلم بخلاف النفاق وما أدى هو إليه من الفتن والفساد فإنه كالمحسوس يكفي في معرفته الشعور الذي هو الحس الحيواني ولما لم يعرفوا ما يتوصل إليه بمجرد الحس الحيواني كان الأنسب أن يسلب عنه الشعور إشعارا بأنهم أنزل مرتبة من البهائم قال الراغب أصل الشعور على وجهين تارة يؤخذ من الشعر ويعبر به عن المس وعنه استعمل المشاعر للحواس فإذا قيل فلان لا يشعر وذلك أبلغ في الذم من قولهم إنه لا يسمع ولا يبصر لأن حسن اللمس أعم من حسن السمع والبصر وتارة يقال شعرت له أي أدركت شيئا وقالوا فلان شق الشعر في كذا إذا دقق النظر فيه ومنه أخذ الشاعر لإدراكه دقائق المعاني فظهر أن شعرت يستعمل بمعنى أحسست وبمعنى أدركت وفطنت فقوله وَما يَشْعُرُونَ [ البقرة : 9 ] في الآية الأولى نفي الإحساس عنهم وفي هذه الآية نفي الفطنة لأن معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة وفي الآية التي بعدها نفي العلم وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحس وفي الثاني أنهم لا يفطنون تنبيها على أن ذلك أي عدم الفطنة لازم لهم لأن من لا حس له لا فطنة له وفي الثالث أنهم لا يعلمون تنبيها أن ذلك أيضا لازم لهم لأن من لا فطنة له لا علم له قال الزمخشري في وجه تفصيل هذه الآية بلا يعلمون والتي قبلها بلا يشعرون أن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتب الناظر المعرفة وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنياوي مبني على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب في جاهليتهم من التغاور والتناحر والتحازب فهو كالمحسوس المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل وكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له قال الشيخ الفاضل أكمل الدين في حواشيه للكشاف .